Ads 468x60px

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

طقوس الزواج في ( تندوف )

تمهيــــــــــــــد يعتبر الزواج سنة من سنن الله في هذا الكون، و ضرورة حتمية و فطرية لمواصلة النسل البشري، لهدا اهتمت به جميع الديانات السماوية و الشرائع الوضعية، و الدين الإسلامي من أكثر الديانات التي حثت على الزواج و شجعت عليه قال الله تعالى "فانكحوا ما طاب لكم من النساء" .
و جاء في الحديث النبوي الشريف، عن عبد الله بن مسعود قال : رسول الله صلى الله عليه و سلم "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه أغض للبصر وأحسن للفرج، و من لم يستطع فعليه بالصوم فانه له و جاء " أخرجه البخاري في النكاح، بل ووضعت له خطوط عريضة في مراسيمه،مراعيا في ذلك العرف الاجتماعي الذي هدبه و قيده أحيانا بشروط تهدف للمصلحة العامة للمجتمع.
و الجزائر تعتبر نموذجا دوليا في تنوعها الثقافي،إنها قارة ثقافية حملت زحم الشرق العربي الإسلامي، وثوابت الامتداد الأمازيغي، و رياح الداخل الإفريقي، و عمق الصرح الصحراوي مما جعل مراسيم الزواج تتنوع في كل ربع من ربوع هده الأرض الطيبة، و تندوف كولاية جزائرية صحراوية لها عاداتها و تقاليدها في إحياء مراسيم الزواج، و اعتبرت هده العادات دليل قوة على تمسك المجتمع التندوفي بعاداته و تقاليده من جهة، و من جهة أخرى ساهم في الحفاظ على التراث و الموروث الثقافي و الفني للمنطقة الضاربة في عمق التاريخ.
و نحن في هدا العرض، نساهم ولو نسبيا في تسليط الضوء على مراسيم الزواج في هده الولاية الطيبة الواقعة في أقصى الجنوب الغربي للجزائر، و نلمس هده المراسيم من خلال المظهر العام الذي تشترك فيه أهم قبائل المنطقة ( التاج كنت، الرقيبات...) و تشبعت به بقية القبائل و الشخصيات الوافدة للولاية، على أن يبقى مجال البحث فيه متواصلا.
بمجرد ما يبلغ الشاب سن الزواج، يبدأ التفكير في شريكة الحياة، و غالبا ما يأخذه تفكيره في ابنة عمه على اعتبار أنها أقرب الناس إليه،و قد تتدخل في اختيارها الأم أو الأخت مراعين في ذلك المعاير التالية: الأدب، الجمال،النسب، الثراء أحيانا ( خاصة لدى العائلات الغنية) ، و قد يتدخل الأب في اختيار شريكة ابنه على أنها ابنة أخيه أو ابنة صديقه، و أحيانا يكون الزواج إجباريا لكلا الطرفين بعد تراصي الآباء. و هذه هي العادة الغالبة في الزواج زمن العهود السابقة، بل قد لا يرى الزوج زوجته إلا أثناء حفلة الزفاف.
و قد يتعدى حاليا نظر الشاب في اختياره لرفيقة دربه بالنظر إليها في الأعراس أو خارج مضارب الديار و المدينة، أو من خلال وصف أحد أصدقائه لها، و لدى بعض القبائل، للبنت دور كبير في الموافقة على الخطيب أو رفضه...الخ.
:الخطـــــــــــــــــبة
تختلف مراسم الخطبة من قبيلة لأخرى، ففي حين نجدها عند البعض بتوجه أم العريس إلى أهل الفتاة التي يراد خطبتها،أين يتم استقبالها بالترحاب و تطلب يد ابنتهم لا بنها، فان وافقت الأم يأتي في اليوم الموالي الرجال من أهل العريس محملين بالخطبة، و هي التي يسميها سكان تندوف ب"الواجب " أي الموالي الرجال من أهل العريس محملين بالخطبة، و هي التي يسميها سكان تندوف " بالواجب" أي الخطيب يوجد الخطيبة بما يحمله معه يوم الخطوبة من ملابس و أحدية و عطور و رأس الغنم و صناديق الخصر،إضافة إلى جمل أو ذبيحة متمثلة في كبش كبير، و يضطر أهل الفتاة لاستضافتهم و دبج رأس غنم لهم دليلا على الموافقة.
ثم يحدد وقتا آخر لإجراء حفل الزواج باليوم و الشهر على أن يكون ذلك برضا الطرفين، في حين تعتمد قبيلة أخرى على الدور النسوي في تحديد المهر و الشروط التي تتفق عليها العائلتين ثم يحضر الرجال بعد التراضي على عقد القران، و الذي غالبا ما يكون في منزل الزوجة، و ترى قبيلة أخرى أن أبوي الشاب لما يتفقان على اختيار زوجة ابنهم، يتوجه أب الشاب إلى أب البنت و يطلب يدها لابنه ، فان وافق بعد مدة التفكير تتوجه أم الخطيب لتبلغها خبر الموافقة و هي ما تسمى بإعطاء " الكلمة" على البنت ، ريثما يتفق الرجال على الشرط (غالبا ما يحدد برؤوس الإبل، و قد تضاف شروط أخرى ) و إعلان العقد الرسمي بحضور الإمام.
:مراســـــم العــــــــــــرس
بعد تحديد موعد الزواج، يبدأ أهل العرس في نصب الخيام لاستقبال المدعوين، و يصيف أهل العريس بناء ما يعرف بخيمة الرق، و هي القاعة التي تخصص للعريسين، إمّا خيمة جاهزة تنصب و تزين بالورود. و الزرابي المتنوعة أو تنصب قاعة بالأعمدة الحديدية في منطقة واسعة، و يزين سقفها بما يسمى " البنية " تكون حمراء أو زرقاء ، و تحاط جدرانها بمختلف الأفرشة ، و يعطى للقاعة ديكور مميز من ورود و أضواء، و يستغرق بناء القاعة يوم أو يومين قبل الموعد المحدد .
تختلف عدد أيام مراسم الزواج حسب كل قبيلة، فمنهم من تعتمد سبعة أيام ،ومنهم من تعتمد على :ثلاث أيام و ذلك حسب الوضعية الاجتماعية ،و يمكن إبراز أيام العرس فيما يلي 


: اليوم الأول
يعرف هذا اليوم ب"الدفوع " وغالبا ما يختار يومي الأحد و الأربعاء حيث يأتي أهل العريس مساءا بعد صلاة العصر و يحضر الإمام ليعقد القران بين الزوجين و يبارك للعائلتين المتصاهرتين و بمجرد عقد القران تتعالى الزغاريد و تقرع الطبول ( ارّزام ) فرحا و إيذانا ببداية العرس ،فتنحر الإبل و تطهى المأكولات التي توضع فوق طاولة داخل القاعة أو الخيمة مع الأشربة و الحلويات و العطور و تقدم صينيات الشاي ليتم إعداده وذلك استقبالا لأهل العريس.
ثم يبدأ أهل العريس في عدّ المهر و أو ما يسمى "الدفوع " الذي هو عبارة عن عشرات الملاحف ، العطور الفساتين ، الأحذية ، الحلي ، عشرات الأغطية ، صناديق الخضر ، رأس من الإبل و آخر من الغنم ... حتى يتعبك العدّ ، و يؤخذ هذا الدفوع و يسلم لأم العروس.
بعد طهي الطعام هذه الليلة، يأكل جميع المدعوين وعابري السبيل منه، في حين تؤخذ العروس و تلبس ملحفتين سوداء و بيضاء، و يزين شعرها بالضفائر المرصعة بالخالص ، و توضع لها عطور تقليدية تسمى "الخواط" و هي مصنوعة من المسك و أنواع كثيرة من الأعشاب التي لها رائحة طيبة كالقرنفل ، تسرغيمت، تيدكت... و غالبا ما تصنع من طرف أمها. أما العريس فيرتدي دراعة و لثام أسود و سروال" ستم و كشاط".
تزف العروس إلى عريسها في هده الليلة أو في الليلة الموالية عند بعض القبائل تسمى "المبيت" أو "الترواح" و عادة ما تذهب ماشية على الأقدام أو موضوعة في فراش يلف حولها و يحملها العريس أو زميلاتها، و أحيانا تنقل راكبة فوق الجمل، و أثناء الطريق يحدث عراك هزلي كبير من صرب للزوج، و إسقاط للزوجة و إفساد لزينتها، و أثناء الحجبة أي أثناء الدخول بالزوجة ليلة الزفاف، تظهر علامات قوة الشخصية لكلا العريسين.
:اليوم الثاني -
في صباح اليوم الثاني يعطي العريس عند بعض القبائل ما يسمى ب "العادة" و هي رمي الحلوة للنساء في اليوم الموالي لحفلة زفاف، و قد لا نجد هده العادة عند بعض القبائل الأخرى
أما العروس في هدا اليوم فتدخل في "مرحلة التراوغ" و هي عادة شيقة في طريقة الزواج بمنطقة تندوف، فمند الصباح الباكر تؤخذ العروس من قبل إحدى صديقاتها و تذهب بها إلى مكان لا يعلمه أحد، و تأتي لها بإمرأة مختصة في الضفائر التقليدية، أين تخلل شعرها بالضفائر و الأحجار الكريمة و الملونة و أثناء الانتهاء من التضفير تأتي امرأة مختصة في نقش الحناء فتزخرف أيدي و أرجل العروس بأجمل النقوش و الزخرفة.
و يبدأ أصحاب العريس في هدا الوقت بالبحث عن مكان إخفائها، و تخصص جائزة لمن يعثر عليها تلك الليلة، فان وجدت فإنهم يأخذوها لمكان زوجها، و يدفع الزوج بالمقابل للمرأة التي ظفرت العروس "التافوكيت" أي أجر ما قامت به من زينة لزوجته، و إن لم يعثر عليها سلمت و فشل العريس في إيجادها تلك الليلة، و قد يستمر الاختباء إلى اليوم السابع.

اليوم الثالث إلى اليوم السابع -
و من اليوم الثالث إلى اليوم السابع تستمر الأفراح و الليالي الملاح .ومن عادة الزواج في المنطقة أن الزوجة لا تغادر مع زوجها فترة الزواج إلى منزله لتبقى عند أهلها قرابة أسبوع، و قد تستمر ستة أشهر أو ما يزيد، و أحيانا حتى تلد ابنها الأول، و عندما تفارق الزوجة بيت أهلها يتوجب عليها حمل ما يسمى "الفسخة" لأهل الزوج، و هي عبارة عن صندوق توضع فيه مجموعة من الملاحف و العطور و الأحذية إضافة إلى الأفرشة و لباس و والد و الوالدة الزوج و إخوته و أخواته، أي لكل واحد نصيبه من الفسخة و رأس من الغنم، بالإضافة إلى مستلزماتها من ألبسة و أفرشة و فرو، و بنية، و أمصار (حافظة جلدية تضع فيها المرأة التندوفية زينتها)،أو الترة (مصنوعة من السعف)... و كلها توضع في "تزياتن" و هي بمثابة حقيبة كبيرة، تحمل على ظهر الجمل مع "أمشقب" أي الهودج.
و في المقابل ينادي أهل الزوج أقارب و صديقات الزوجة و يطهى تلك الليلة الطعام استقبالا بقدوم زوجة ابنهم، و يسمى اليوم الذي تغادر فيه الزوجة بيت أهلها متوجهة إلى بيت زوجها "التقعاد" بقاف ثلاثية و تقام في هذه الليلة وليمة عشاء تجتمع فيها العائلتين المتصاهرتين.

:أنــــــواع اللـــــــــــباس
أ- لباس العريس
الدراعة: هي لباس عريض في قطعة واحدة، لها فتحتان (في اليمين أو اليسار) و تلبس من خلال ثنيها على الكتفين، و غالبا ما تكون بيضاء أو تكون بيضاء أو زرقاء ....الخ تصنع من قماش رفيع الثمن " البزاه" و تكون مطرز عند الرقبة بخيوط ذهبية.
سروال ستم : هو سروال تقليدي قصير (عند نصف الساق) مفتوح عند الركبتين ، و مطرز عند نهاية الرجلين، و هو بحادي الدراعة غالبا في اللون و الزخرفة و نوع القماش .
كشاط و لثام من النيلة السوداء : و الكشاط عبارة عن حزام طويل يصل إلى الأسفل، يشد به "سروال ستم" و هو مصنوع من الجلد.
سيف صغير: عند بعض قبائل المنطقة.
السلهام : هو البرنوس ولا يشرط فيه لون معين
  ب – لباس العروس
الملاحف : و فيها عشرات الألوان، و هي عبارة عن قطعة قماش طويلة تلفها المرأة على جسدها و رأسها، من بين أسماء بعض الملاحف، نجد :
- ملحفة سوداء و بيضاء مصنوعة من قماش تدعى "الشقيقة".
- ملحفة لنصاص : و هي ملحفة نيلة من أغلى الأقمشة التي تستورد من منطقة التوارق.
- ملحفة لفيلح الشرق : و هي رقيقة و مصنوعة من النيلة
- ملحفة قاز النميرات : لونها أسود، و مصنوعة من النيلة.
و هناك أنواع أخرى من الملاحف كألواح (مزركشة)، النجيف، منيبت (يكون مطروز )، السليك لخياطة، القوميري كنيبة، الغليظ.

- الديار ( الحلي) : غالبا ما يكون من الفضة و الأحجار الكريمة.

 :أطباق العرس و مأكولاته
:من أهم الأطباق التي تميز حفل الزواج
البانافا: هي خليط من كبد الإبل الذي يقطع إلى أجزاء صغيرة، و شحم الإبل المتروع من سنامه (الدروة)، ثم يوضعان في القدر و قد يصاف لهم لحم الإبل.
الكسكسى: يوضع فوقه كمية كبيرة من اللحم.
شواء اللحم : أين يوضع اللحم في قدر كبيرة لا ماء و لا خصر فيه، و يسدد و يترك وقتا طويلا يتعرق حتى يصبح طريا ثم يوضع في صحون و يقدم ، فيعرف بلحم المعرق.
تدقيت : يتكون هدا الطبق من لحم الإبل المجفف و الذي يدق في المهراس، و يضاف له شحم الإبل المتروع من الدروة (السنام)، و يقدم عادة ساخن.

بالإضافة إلى بعض العوارض الأساسية "خبز الملة" (خبز يطهى تحت الرمل، و فوقه كومة الرماد) و من أهم الأكلات التي تحضر أثناء حفل الزواج نجد" البلغمان"
:الأغاني و الرقص التقليدي

قديما كانت الأفراح ليلة " تلباس العريس" تنشط القصائد الدنية كالبردة، الهمزية و غيرهما، و تمثل الأغنية الشعبية أحد روافد التراث الثقافي، و تتم باللهجة المحلية الحسانية، و تتزامن معها الحركات الجماعية من تحريك للأطراف و الأصابع، و الرقص على إيقاع الطبل الجلدي التقليدي (أرزام) عند النساء، و (القنقة) عند الرجال و تتزامن مع قرعة تصفيقات النساء، و هن ينشدنا أهم الأغاني المحلية.و التي منها نجد جينا الأهل فلان (...) ندورو البلح و أجبرنا الشيطان قاعد :مدحدح

:و كذلك في مطلع أخرى أمنيتي يانا ياغلى لبنات ادا جاوك الخطابا عنك لا تابا
:و أغاني كثيرة نذكر من عناوينها
" البلوتو"، "تيي"، أمنيتي" أنا لا أنسى و أنت لا تنساي"، إضافة إلى مدح النبي صلى الله عليه و سلم.
:و من أهم الرقصات التقليدية المتداولة
رقصة القزرة، رقصة النقشة، رقصة الصفرة، الأصابع، تريتيمة الشرعة، أما سربات، العجام، جقوار....فقد طورت في استعمالها الآلات الحديثة.......الخ . و يشارك الرجل المرأة أثناء الرقصة المخصصة له، و هي رقصات مستوحاة من الطبيعة و معبرة عن الحب و الجمال و قد تكون الرقصة معبرة عن الحياة اليومية للمرأة التندوفية و تقرأ من خلال الحركات التي تؤديها.

:الخاتــــــــــــمة
تبقى منطقة تندوف الواقعة في غرب الصحراء الجزائرية ، منطقة امتداد ثقافي محلي و جهوي و قاري كما سلفنا الذكر ، و عبرت تقاليدها التي لا تزال المحافظة على الكثير منها إلى الآن ، دليل التواصل بين الأجيال و الذي أثمر في النهاية هذا الموروث الثقافي و التاريخي للمنطقة .
وفي الأخير لا ندعي الكمال في تمام جمع كل المعلومات المتعلقة بمراسم الزواج ، بل إن هذه المساهمة قد تجعل أعيان القبائل و المنطقة و المهتمين بهذا الشأن يقومون بإثراء الموضوع أكثر أو التجديد فيه خاصة و أن المنطقة قد عرفت تمازج ثقافي بين القبائل المتواجدة و القبائل الوافدة إليها ، ويبقى المجال خصب للباحثين في
( الثقافات الشعبية ، الأدب الشعبي و التاريخ ...) للتوسع في هذا الموضوع أكثر .


0 التعليقات:

إرسال تعليق